ابن المقفع

86

آثار ابن المقفع

ثم إنهم أطالوا المكث حتى ظنوا أن صاحب الدار وزوجته قد هجعا « 1 » وكانت تلك الليلة مقمرة وللبيت كوة نافذ منها الضوء ، فقام قائدهم إلى مدخل الضوء وقال : « شولم شولم » سبع مرات ثم اعتنق الضوء لينزل إلى أرض المنزل فوقع على أم رأسه « 2 » منكسا « 3 » فوثب إليه الرجل بهراوته وقال له : من أنت ؟ قال : أنا المصدق المخدوع المغتر بما لا يكون أبدا ، وهذه ثمرة رقيتك وعاقبة من يصدق كل ما يسمع . فلما تحرزت من تصديق ما لا يكون ولم آمن إن صدقته أن يوقعني في تهلكه ، عدت إلى البحث عن الأديان والتماس العدل « 4 » منها . فلم أجد عند أحد ممن كلمته جوابا فيما سألته فيها ولم أر فيما كلموني به شيئا يحق لي في عقلي أن أصدق به ولا أن أتبعه . فقلت : لما لم أجد ثقة آخذ منه فالرأي أن ألزم دين آبائي وأجدادي الذي وجدتهم عليه وهممت بذلك . ثم التمست لنفسي مخرجا فقلت : إن كان من يفعل هذا معذورا ، فإن الذي يجد أباه ساحرا ويجري على مثاله يكون غير ملوم مع أشباه ذلك مما لا يحتمله العقل . وذكرت في ذلك قول رجل كان فاحش الأكل « 5 » فعوتب في ذلك فقال : كذلك كان أكل أبي وجدي ، فلما ذهبت التمس العذر لنفسي في لزوم دين الآباء والأجداد ، لم أجد لها على الثبوت على دين الآباء طاقة ، بل وجدتها تريد أن تتفرغ للبحث عن الأديان والمسألة عنها وللنظر فيها ، فهجس « 6 » في قلبي وخطر على بالي قرب الأجل وسرعة انقطاع الدنيا واعتياط « 7 » أهلها وتخرّم « 8 » الدهر حياتهم . ففكرت في ذلك وقلت : أما أنا فلعلي قد

--> ( 1 ) هجعا : ناما ( 2 ) أم رأسه : دماغه . ( 3 ) منكسا : منقلبا . ( 4 ) العدل : العادل . ( 5 ) فاحش الاكل : المكثر منه . ( 6 ) هجس : جال ، خطر . ( 7 ) اعتياط : الموت بغتة . ( 8 ) تخرم : استئصال .